ابن كثير

448

معجزات النبي ص

التفسير ، وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج فإذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر واللّه أعلم . وقال أبو نعيم : فإن قيل : فقد لين اللّه لداود عليه السلام الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ ، قيل : لينت لمحمد صلى اللّه عليه وسلم الحجارة وصم الصخور ، فعادت له غارا استتر به من المشركين ، يوم أحد ، مال إلى الجبل ليخفى شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه ، وهذا أعجب لأن الحديد تلينه النار ، ولم نر النار تلين الحجر ، قال : وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس . قال : وكذلك في بعض شعاب مكة من جبل في صلايه إليه فلان الحجر حتى ادرأ فيه بذراعيه وساعديه ، وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه . وعادت الصخرة ليلة أسرى به كهيئة العجين ، فربط بها دابته - البراق - وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا ، وهذا الّذي أشار إليه ، من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا ، ولعله قد أسنده هو فيما سلف ، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة . وأما ربط الدابة في الحجر فصحيح ، والّذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلم رحمه اللّه ، وأما قوله : وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب ، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد صلى اللّه عليه وسلم والشرعة التي شرعت له ، أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الأنبياء صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ، فإن اللّه جمع له محاسن من كان قبله ، وفضله ، وأكمله ( وآتاه ) ما لم يؤت أحدا قبله ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : أوتيت جوامع الكلم ، واختصرت لي الحكمة اختصارا ، ولا شك أن العرب أفصح الأمم ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم أفصحهم نطقا ، وأجمع لكل خلق جميل مطلقا .